ابن عبد البر

261

الدرر في اختصار المغازي والسير

على ظهر سلع « 1 » [ يقول « 2 » بأعلى صوته ] : يا كعب بن مالك أبشر ، فخررت للّه ساجدا وعلمت أن قد جاء الفرج ، وآذن رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - بتوبة اللّه علينا حين صلّى الفجر - فذهب الناس يبشّروننا . وركض رجل إلىّ فرسا وسعى ساع من أسلم حتى وافى على الجبل ، وكان الصوت أسرع من الفرس . فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشّرنى نزعت ثوبي فكسوتهما إياه ، واللّه ما أملك يومئذ غيرهما ، واستعرت ثوبين / فلبستهما ثم انطلقت أتيمّم « 3 » رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وتلقاني الناس يبشّروننى بالتوبة ، ويقولون : لتهنك توبة اللّه عليك ، حتى دخلت المسجد ، ورسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - جالس حوله الناس . فقام إلىّ طلحة بن عبيد اللّه ، فحيّانى وهنّأنى ، وو اللّه ما قام إلىّ رجل من المهاجرين غيره . قال : فكان كعب لا ينساها لطلحة . قال : فلما سلمت على رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - قال [ لي ] « 4 » ووجهه يبرق من السرور : أبشر بخير يوم مرّ عليك منذ ولدتك أمك ، قلت : أمن عندك يا رسول اللّه أم من عند اللّه ؟ قال : لا بل من عند اللّه . قال : وكان رسول اللّه إذا استبشر كأن وجهه قطعة قمر . فلما جلست بين يديه قلت : يا رسول اللّه إن من توبتي إلى اللّه أن أنخلع من مالي صدقة إلى اللّه وإلى رسوله ، فقال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك ، قلت إني ممسك سهمى الذي بخيبر . وقلت : يا رسول اللّه إن اللّه قد أنجاني بالصدق وإن من توبتي أن لا أحدّث إلا صدقا ما بقيت . وكان ما نزل في شأني من القرآن قوله تعالى جلّ ذكره : ( وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا « 5 » حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ) إلى قوله : ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ) .

--> ( 1 ) سلع : جبل بالمدينة . ( 2 ) زيادة من ابن هشام ( 3 ) أتيمم : أقصد . ( 4 ) زيادة من ابن هشام ( 5 ) وفي تتمة حديث كعب بن مالك تعليقا على قوله تعالى : ( وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا ) : وليس الذي ذكر اللّه من تخليفنا عن الغزوة ولكن لتخليفه إيانا وأرجائه أمرنا عمن حلف له واعتذر إليه فقبل منه . انظر ابن هشام 4 / 181